قوة على الورق، لا في السوق

الأرقام جديرة بالتأمل. فالأعضاء الرئيسيون الاثنا عشر في المنتدى، ومنهم الجزائر وبوليفيا ومصر وغينيا الاستوائية وإيران وليبيا ونيجيريا وقطر وروسيا وترينيداد وتوباغو والإمارات وفنزويلا، يملكون نحو 70 بالمئة من احتياطيات الغاز المؤكدة في العالم، و38 بالمئة من الإنتاج التجاري، و42 بالمئة من صادرات الغاز ونحو 47 بالمئة من صادرات الغاز الطبيعي المسال. لكن القوة على الورق ليست هي القوة في السوق. فأوبك تستمد قوتها من أداة محددة: حصة الإنتاج. إذ يمكن لأعضائها بقرار جماعي واحد أن يسحبوا ملايين البراميل من السوق أو يضيفوها إليها ويغيروا السعر. أما منتدى البلدان المصدرة للغاز فلا يملك فعلياً مثل هذه الأداة، وبحسب ما صرحت به وزارة النفط الإيرانية، لا يبدي ميلاً إلى امتلاكها أيضاً. إن طبيعته «استشارية وتحليلية وقائمة على التعاون». وسبب هذا الاختلاف هيكلي. فجزء كبير من الغاز يباع بعقود طويلة الأجل وخطوط أنابيب مخصصة، لا في سوق واحدة بسعر واحد. فالغاز الروسي إلى أوروبا والصين، والغاز القطري إلى آسيا، والغاز الجزائري إلى جنوب أوروبا، تباع في ثلاث أسواق منفصلة بمنطق مختلف تماماً. إذن غياب الرافعة السعرية ليس فجوة مؤقتة، بل هو نتيجة طبيعة السلعة نفسها. وحتى لو أراد الأعضاء، فإن التنظيم المشترك للعرض غير ممكن فعلياً. فإذا لم يكن لدى منتدى البلدان المصدرة للغاز رافعة سعرية، فماذا لديه؟ ثلاث أدوات غير مباشرة (ناعمة): المصداقية الإحصائية، وطاولة للحوار، وإنتاج المعرفة. وهذه تختلف عن «الأداة المباشرة» مثل حصة الإنتاج في أوبك؛ لأن الحصة يمكنها أن تغير العرض والسعر مباشرة، أما هذه الأدوات الثلاث فلا يمكنها إلا أن تبني المصداقية والنفوذ.

الأدوات الناعمة لمنتدى البلدان المصدرة للغاز

أولاً، الوزن الإحصائي. فحصة 70 بالمئة من احتياطيات العالم لا يمكن لأي حديث جاد حول أمن الطاقة أن يتجاهلها. ثانياً، طاولة مفاوضات. مكان تجلس فيه إيران وروسيا، أو قطر ونيجيريا، أو الإمارات وفنزويلا في غرفة واحدة. وبالنسبة للبلدان الخاضعة للعقوبات، فإن هذه القناة الرسمية ذات قيمة، كما أن لقاء بورد مع وزير الطاقة الروسي على هامش هذه القمة نفسها مثال على ذلك. ثالثاً، إنتاج المعرفة المشتركة: توقعات العرض والطلب، وقواعد البيانات المشتركة والدراسات الفنية. فإذا لم يكن لدى المنتجين رواية مستقلة عن مستقبل السوق في مقابل وكالات البلدان المستهلكة، فإن الآخرين سيكتبون الرواية. وطهران تقترح هذا بالضبط: قواعد معلومات مشتركة، وتوقعات طويلة الأجل، وتعاون بين مراكز الأبحاث، مع الحفاظ على طبيعة المنتدى متعددة الأطراف والقائمة على الإجماع.

رسالتان في رحلة واحدة

يذهب الوفد الإيراني إلى موسكو بجدولي أعمال. ففي المحور السياسي، بحسب سيد علي محمد موسوي، معاون الشؤون الدولية في وزارة النفط، فإن شرح «الاعتداءات العسكرية الأمريكية» وإدانتها في الأولوية. كما ستطرح استشهادات قائد الثورة والقادة العسكريين والمواطنين المدنيين وحادثتا ميناب ولامرد في إطار المواقف الرسمية. وهذا الجزء يخاطب جمهوراً سياسياً أكثر مما يخاطب سوق الغاز، ويبقى أن نرى ما الحصة التي ستبقى منه في بيان يكتب بإجماع الأعضاء. ووزارة النفط نفسها تقول إن المحتوى النهائي للبيان منوط باتفاق جميع البلدان الأعضاء، ومن بينهم الإمارات، إحدى أقرب حلفاء واشنطن. وفي محور الطاقة، لرسالة إيران ثلاثة أضلاع: مواجهة «تسييس تجارة الطاقة» والقيود أحادية الجانب، وضرورة أمن الاستثمار في سلسلة قيمة الغاز، والدفاع عن انتقال طاقة «واقعي وعادل». وتجادل طهران بأن الغاز سيحافظ على دوره في العقود المقبلة أيضاً؛ لأنه أقل تلويثاً من الفحم، وبينما يؤدي دوراً كمكمل للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإن طلب البلدان النامية في نمو أيضاً. لذا إذا انخفض الاستثمار في استكشاف حقول الغاز وتطويرها أو تأخر، فإن العرض بعد سنوات قليلة سيتخلف عن الطلب، وستتقلب الأسعار وسيصبح السوق أكثر هشاشة. وبرأي المسؤولين الإيرانيين، فإن هذا الوضع يضر بالطرفين، البائع والمشتري على حد سواء. ويجب قراءة هذا الجدل بنظرتين. فصناعة الغاز فعلاً كثيفة رأس المال، وعدم الاستقرار والعقوبات يرفعان كلفة التمويل. لكن بالنسبة لإيران، يحمل هذا النقاش رسالة عن نفسها أيضاً: بلد يملك أحد أكبر احتياطيات الغاز في العالم ولم يستطع الاستفادة منها في صادرات الغاز المسال وجذب الاستثمار الأجنبي. فعندما تتحدث طهران عن «الوصول غير التمييزي إلى التقنية والموارد المالية»، فإن همها الحقيقي هو السياسات التي حدت من الوصول إلى التقنيات الحديثة.

روسيا؛ المضيف والشريك والمنافس

إن رحلة موسكو فرصة للقاء وزير الطاقة الروسي والتفاوض حول تبادل الغاز. ويصف بورد العلاقات الطاقية بين البلدين بأنها «مناسبة» ويقول إن الشركات الروسية لديها عقود لتطوير بعض حقول النفط والغاز الإيرانية. ويؤكد على تكامل الصادرات عبر خطوط الأنابيب والغاز المسال، وعلى ظرفية التعاون في تطوير الحقول ونقل التقنية. كما يذكر أن تنفيذ المشاريع المشتركة يستلزم دراسة جدواها الاقتصادية وإطارها التعاقدي وتمويلها. وبعبارة بسيطة، ما زال التفاهم بعيداً عن العقد. وهناك أيضاً دقة قلما تقال: إيران وروسيا هما أكبر مالكين لاحتياطيات الغاز في العالم ويمكن أن تكونا منافسين في الأسواق المستهدفة. وقد يكون تعاونهما، بدلاً من أن يكون علاقة بين شريكين متكاملين، صفقة بين لاعبين خاضعين للعقوبات يحتاج كلاهما إلى طرق ومشترين بديلين.

بيانات بالمخرج المشترك الأدنى

إن أصول المنتدى الثلاثة كلها ناعمة، وتحويلها إلى نفوذ حقيقي يعتمد على إرادة الأعضاء. فالوزن الإحصائي يؤثر حين يتحدث الأعضاء بصوت واحد، لكن مصالحهم متضاربة: قطر والإمارات في جهة، وروسيا وإيران وفنزويلا في الجهة الأخرى. والبيانات الإجماعية تكتب عادة بالمخرج المشترك الأدنى. وطاولة المفاوضات مفيدة حين تصل إلى عقد، والمسؤولون الإيرانيون أنفسهم يعترفون بأن المسافة من التفاهم إلى المشروع التنفيذي مليئة بالشروط الاقتصادية والمالية. وإنتاج المعرفة أيضاً يؤثر حين يعتد به المستهلكون. وتوقيت القمة يبرز هذا الضعف أكثر. فقد جعل اضطراب هرمز النفط والغاز المسال باهظين وسحب المشترين نحو التنويع والاستثمار في نصف الكرة الغربي. ويسأل المشتري اليوم: «أي شحنة ستصل بالتأكيد إلى مقصدها؟» ومنتدى يقع جزء من أعضائه تحت العقوبات أو في منطقة حرب، ليس لديه جواب واضح عن هذا السؤال. والتحديات الأربعة التي يعددها المسؤولون الإيرانيون تظهر العقدة نفسها: إقامة التوازن بين توفير الطاقة وسياسات الانتقال الطاقي، وتأمين رأس المال للإنتاج والصادرات، والقيود التجارية والمالية والتقنية، وضرورة خفض انبعاثات الميثان.

معيار الحكم

إن منتدى البلدان المصدرة للغاز يشبه النادي أكثر منه مؤسسة مؤثرة. فمثل هذه المؤسسة يمكنها أن تبني مصداقية جماعية وأن تيسر الحوار، لكنها لا تستطيع إدارة السوق. والمعيار الحقيقي ليس في نص البيان، بل على هامش القمة. فإذا انتقلنا في موسكو من التفاهم إلى العقد وحولت هذه الأصول الناعمة إلى نفوذ عملي، فستكون الذكرى الخامسة والعشرون نقطة تحول. وإذا انتهت القمة إلى بيان حول «ضرورة الاستثمار» و«تجنب التسييس»، فسيكون جواب السؤال الرئيسي واضحاً: المنتدى الذي لا يستطيع تحويل التفاهم إلى عقد ليس لديه سوى الكلام ليبيعه. وفي هذه الحالة، ستكون موسكو مرة أخرى مضيفة لحوار حول الغاز، لا لصفقة حوله.

المصدر: صحيفة دنياي اقتصاد