سبيل النجاة من «لا حرب، لا سلام»
وصرّح الرئيس، مؤكدا ضرورة الخروج من حالة «لا حرب، لا سلام» من أجل إيجاد بيئة شفافة ويمكن التنبؤ بها، بأنه لا يمكن التخطيط في ظروف عدم اليقين.
منظومة إخبارية حديثة — تغطية دقيقة وسريعة ومحايدة للأحداث
وصرّح الرئيس، مؤكدا ضرورة الخروج من حالة «لا حرب، لا سلام» من أجل إيجاد بيئة شفافة ويمكن التنبؤ بها، بأنه لا يمكن التخطيط في ظروف عدم اليقين.
نقلا عن تابناك؛ الرئيس قال أمس، وفي مراسم انطلاق تعداد السكان والمساكن، مؤكدا أنه يجب الخروج من حالة «لا حرب، لا سلام» لنتمكن من التخطيط في بيئة شفافة ويمكن التنبؤ بها، قال: «لا يمكن التخطيط في حالة عدم اليقين. لذلك من الضروري الخروج من الغموض. ومن هذا المنطلق أمر القائد الشهيد: اذهبوا وأنهوا العمل. لكن هؤلاء الأنذال أخلّوا بالقاعدة. ومع ذلك، ما زلت أعتقد أنه يجب أن نذهب ونخرج من حالة لا حرب ولا سلام.»
إن كلام الرئيس هذا كلمة حق، قد تنحرف عن مسارها إن لم تُفهم بشكل صحيح.
كلام الدكتور بزشكيان حول ضرورة إخراج البلاد من حالة لا حرب ولا سلام، يطرح سؤالا أساسيا أمام السياسة الخارجية والإدارة الداخلية للبلاد: كيف يمكن التوصل إلى حل دائم مع عدو لا يلتزم باتفاقاته، ولا يمتنع عن تشديد العقوبات والإجراءات العسكرية، ولا يخفي سعيه إلى تدمير إيران؟
إن مبدأ الخروج من حالة الاستنزاف المتمثلة في «لا حرب ولا سلام» طرح يستحق التأمل، لكن المسألة الأساسية ليست ضرورة إنهاء هذه الحالة، بل كيفية تحقيق ذلك. فالتسوية في العلاقات الدولية لا يمكن أن تؤدي إلى حل الخلافات إلا حين يلتزم الطرفان، على الأقل، بحد أدنى من القواعد المشتركة والالتزامات المتبادلة وتكاليف انتهاك الاتفاق. وقضية إيران مع أمريكا ليست مجرد خلاف حول بضعة مواضيع محددة؛ بل هي صراع هوية له تاريخ طويل من العداء والعقوبات والضغوط وانعدام الثقة، وقد تجلّى ذلك أيضا في تجربة المفاوضات النووية. وإن انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي، رغم الالتزامات التي قبلتها واستمرار سياسة الضغط، جعل هذا السؤال أكثر جدية: إلى أي حد يمكن للاعتماد مجددا على التفاوض، دون تغيير حسابات الطرف الآخر، أن يؤمّن المصالح الوطنية لإيران؟ وهل يمكن التفكير في تسوية مشرّفة مع عدو سلك منذ اليوم الأول لعمل حكومة الدكتور بزشكيان، بالتوازي مع تشديد الضغوط الاقتصادية، طريق الإجراءات العدائية، بل لجأ حتى في خضم المسارات الدبلوماسية إلى إجراء عسكري؟ إن التفاوض أداة للسياسة الخارجية بالطبع، وليس هدفا مستقلا عن الأمن والاستقلال والمصالح الوطنية، وقيمته أيضا مرتبطة بالنتيجة التي يحققها عمليا للبلاد.
لا شك في أن استمرار حالة لا حرب ولا سلام، قد يؤدي إلى استنزاف قدرات البلاد الاقتصادية والاجتماعية والإدارية. ومن هذا المنطلق، فإن إنهاء حالة الاستنزاف ضرورة استراتيجية. لكن هل يستطيع أي اتفاق إنهاء هذه الحالة؟ فإذا كانت التسوية بمعنى التراجع الأحادي أمام الضغط، دون أن يكفّ الطرف الآخر عن التهديد والعقوبات والتدخل، فلن تكون النتيجة نهاية الأزمة بل انتقالها إلى مرحلة أخرى. إذن، فالسؤال الأساسي ليس أن نتفاوض أم لا نتفاوض، بل هو: كيف يمكن تحويل التفاوض من موقف قائم على ضغط أحادي إلى عملية قائمة على مصالح متبادلة وضمانات عملية؟
لقد خاضت الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العقود الماضية تجارب متعددة في التفاوض والاتفاق. وتُظهر هذه التجارب أن الدبلوماسية، حتى في أصعب الظروف، يمكن أن تكون أداة لخفض التوتر وتأمين جزء من مصالح البلاد، لكن في الوقت نفسه، لا يضمن أي اتفاق، لمجرد توقيعه، سلوك الطرف الآخر في المستقبل. ويجب أن يستند أي مسار دبلوماسي جديد إلى تقييم واقعي لسلوك الطرف الآخر، وإمكانية التحقق من الالتزامات، وتوفر ضمانات تنفيذية، وتوقّع تكاليف انتهاك الاتفاق. وفي مثل هذا الإطار، تقع الدبلوماسية والقوة الوطنية في امتداد بعضهما بعضا، لا في مواجهة بعضهما بعضا. نعم، يجب الخروج من حالة لا حرب ولا سلام وعدم السماح للعدو بتحقيق أهدافه بحرب استنزاف، لكن كيف؟ فمع عدو قصف طاولة المفاوضات مرتين، ولا يلتزم بتوقيعه وتعهداته، وخلافا لأسلافه رمى قفازه المخملي وشهر سيفه ضد إيران، كيف يمكن الدخول من باب التفاوض والتسوية؟ وهل بقي خيار لمواجهة مثل هذا العدو سوى أن نصبح أقوى ونقاوم؟ لقد أظهر الشعب والقوات المسلحة خلال الأشهر الثمانية الماضية، باقتدار ومقاومة وصمود، أنهم أحبطوا كل مخططات العدو، كما بذلت الحكومة الموقرة، بالدعم والمساندة المالية واللوجستية، كل طاقتها لإفشال العدو في حرب الصمود، لكن يُلاحظ أحيانا أن بعض الأجهزة التنفيذية لم تتخذ بعد تشكيلة الحرب ولم تلحق بقاطرة الحكومة. فإذا كان العدو يراهن، إلى جانب الضغط العسكري والعقوبات، على استنزاف القدرة الاقتصادية والصمود النفسي للمجتمع، فإن مواجهة هذه الاستراتيجية لا يمكن أن تكون بالمواقف السياسية والإجراءات المؤقتة فقط. ويجب أن تعمل الأجهزة التنفيذية بما يتناسب مع ظروف البلاد؛ من التأمين المستدام للسلع الأساسية وضبط آثار الضغط الاقتصادي، إلى إزالة عوائق الإنتاج وتقليل عدم الكفاءة الإدارية وبث الطمأنينة في المجتمع. فكلما عملت الحكومة بكفاءة أكبر في إدارة الشؤون، ارتفعت تكاليف استراتيجية الاستنزاف لدى العدو وتقوّى رأس المال الاجتماعي اللازم لتجاوز الأزمة.
لذلك، فإن الإجابة عن سؤال ما إذا كان هناك خيار أمام مثل هذا العدو سوى التمكّن والمقاومة، تتوقف على تعريفنا للمقاومة. فإذا عرّفنا المقاومة بأنها منع فرض إرادة العدو وزيادة قدرة البلاد على الدفاع عن مصالحها الوطنية، فإن الدبلوماسية أيضا يمكن أن تكون جزءا من هذه الاستراتيجية ذاتها. ولا يمكن للتسوية أن تقترب من إنهاء العداء إلا حين يعجز العدو عن استغلال التفاوض والعقوبات وحرب الاستنزاف لفرض مطالبه. والخروج من حالة لا حرب ولا سلام صعب دون تغيير حسابات الطرف الآخر، وتغيير هذه الحسابات يحتاج، قبل كل شيء، إلى قوة وطنية وتماسك داخلي ودبلوماسية قائمة على الواقع.
قضية إيران اليوم ليست اختيارا بسيطا بين الحرب والتفاوض ليست كذلك. فالمسألة هي الإدارة المتزامنة لساحتين: ساحة مواجهة الضغط الخارجي وساحة إدارة البلاد بكفاءة. في الساحة الأولى، يلزم الردع الدفاعي والتماسك الوطني ودبلوماسية قائمة على ضمانات عملية. وفي الساحة الثانية، يجب على الحكومة، ببرنامج محدد للمعيشة والإنتاج والتجارة والتوظيف وإصلاح الإجراءات غير الكفؤة، ألا تسمح بأن يؤدي الضغط الخارجي إلى تآكل القدرة الداخلية. فإذا كان العدو يبحث عن حرب استنزاف، فلا ينبغي السماح بأن يتحول الضعف الإداري وانعدام اليقين الاقتصادي والسخط الناجم عن مشكلات قابلة للحل إلى عوامل تفاقم هذا الاستنزاف.
المصدر: صحيفة جوان
المصدر: تابناك