قسم الفكر: إعداد وتصحيح وتحرير: فروزان آصف نخعي: نشر هذا المقال في 21 أكتوبر 2026 على موقع morningstaronline  في إنجلترا. من وجهة نظر موقع مورنينغ ستار، إن النخب السياسية الأوروبية، فلسفيا وعمليا، تتهرب من تحمل مسؤولية أزماتها البنيوية والاقتصادية النيوليبرالية بإلقاء اللوم في الاضطرابات الأخيرة على عوامل خارجية مثل روسيا والمهاجرين. إنهم يتهربون من مواجهة أزمة انعدام الثقة الشاملة في النظام في أوروبا. ومن منظور علم نفس الإسقاطات، يوفر إلقاء اللوم على الآخر ذريعة لقمع حرية التعبير وتبرير زيادة الميزانيات العسكرية؛ في حين أن الجذور الحقيقية للاحتجاجات في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا، وكذلك انهيار الخدمات العامة وأزمة السكن وانحراف الموارد نحو إعادة التسلح في بريطانيا، تكشف عجز النموذج الاقتصادي الحاكم.

****

 إن إلقاء اللوم على «محرضين أجانب» في الاضطرابات الشعبية هو أقدم حيلة في التاريخ؛ والآن تحقق الهيئات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي في «مؤثرين» مزعومين مؤيدين للكرملين يحرّضون على الاضطرابات في فرنسا وإسبانيا وإيطاليا وأماكن أخرى.

نسخة أخرى من هذه الرواية، التي رافقها بحق إدانة دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، من قبل نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، لكن يروجها أيضا بيتر ماغيار، رئيس وزراء المجر، ودونالد توسك، رئيس وزراء بولندا، هي أن المهاجرين هم الملامون.

كلا النهجين يتهرب من مواجهة أزمة انعدام الثقة الشاملة في النظام في أوروبا. كلا النهجين يشجع القمع، سواء قمع حرية التعبير على الإنترنت أو قمع أقليات ومجتمعات بأكملها. وكلا النهجين يهمنا في بريطانيا أيضا.

القضايا المطروحة في القارة الأوروبية هي قضايانا أيضا. كان السبب المباشر لاحتجاجات فرنسا هو نقص ميزانية المدارس: المباني المتداعية ونقص القوى العاملة، إلى جانب السخط المرتبط بضغط العمل وكثرة المهام.

هنا في بريطانيا أيضا واجهنا فضائح تتعلق بتداعي مباني المدارس وتراكم الإصلاحات والتجديدات المتأخرة بسبب إلغاء المحافظين خطة «بناء مدارس للمستقبل». نواجه أزمة في استقطاب المعلمين والاحتفاظ بهم ستزداد سوءا مع زيادات الرواتب غير الممولة. لدينا نظام تفتيش مكروه رُبط بحالات انتحار، ونموذج تعليمي قوامه الاختبارات والمصنع يضغط بشكل غير مسؤول حتى على أطفال المرحلة الابتدائية.

في إسبانيا، كان السكن هو ما أشعل برميل البارود. فحقوق المستأجرين غير الكافية، إلى جانب تكاليف السكن الباهظة، ألهبت الغضب الشعبي.

في بريطانيا، علق ملايين الأشخاص في قطاع الإيجار الخاص غير العادل؛ بمن فيهم كثيرون على أعتاب التقاعد وليس لديهم أي ضمان بأنهم بعد انتهاء سنوات كسبهم سيجدون مكانا للعيش ضمن إمكانياتهم المالية. نمت تكاليف السكن في المدن الكبرى، وفي مقدمتها لندن بشكل مفرط، بما يتجاوز الدخول بكثير، حتى إن الأجور الأعلى من المتوسط لا تكفي غالبا لتغطيتها. هذا النظام غير مستدام تماما مثل نظام إسبانيا.

احتج المتظاهرون في إيطاليا أيضا على التحويل الهائل للموارد نحو إعادة التسلح؛ وهو جزء من الانجراف نفسه نحو الحرب الذي أثار في ألمانيا أيضا حركة طلابية واسعة ضد التجنيد الإجباري. ومرة أخرى في بريطانيا، تدعي حكومتنا الفقر فيما يخص رواتب القطاع العام والتحول الأخضر والاستثمار في البنية التحتية، بينما تعد بزيادات هائلة في الميزانيات العسكرية.

لا تستطيع النخب السياسية الأوروبية المتداعية قبول أن أمرا جوهريا يجب أن يتغير. جذور الغضب الشعبي، سواء من الخدمات العامة المنهارة أو من تكاليف المعيشة، متجذرة بعمق في النموذج الاقتصادي (النيوليبرالي) الذي يلتزمون به، نموذج رسخته معاهدات الاتحاد الأوروبي بقوة الدستور.

إن إلقاء اللوم على روسيا يحقق عدة أهداف: ينقل المسؤولية إلى غيره؛ ويوفر ذريعة لمزيد من القمع الحكومي وتقييد الحريات التي يمكن استخدامها لمحاسبة السلطة؛ ويضخم التهديد الروسي ويبرر زيادة الإنفاق العسكري الذي هو نفسه يوسع الأزمة ويعمقها.

نعلم من محاولة آندي بورنهام إلقاء اللوم على روسيا في البريكست أن الإغراء نفسه موجود هنا أيضا. ومن أسباب ضرورة الرفض القاطع للادعاءات الواهية حول محركين روس أن هذه الادعاءات مخرج يستخدمه السياسيون للهروب من معالجة المشكلات الحقيقية.

وسائل التواصل الاجتماعي أدوات قوية، ومن يملكون أكبر منصاتها ويسيطرون عليها يتمتعون بالتالي بنفوذ سياسي؛ لكن «الفيل في الغرفة» (المشكلة الكبيرة المتجاهلة) هنا هو بالتأكيد الولايات المتحدة وميتا وشركة إكس وغوغل وقربها من حكومة دونالد ترامب اليمينية المتطرفة.

ومع ذلك، يحتاجون إلى برميل بارود لينفجر. لن تحل «الأزمة الشاملة» (Omnicrisis) في أوروبا إلا ببديل سياسي واقتصادي: الاستثمار في صناعات ووظائف المستقبل، والملكية العامة للأصول الاستراتيجية، وإنهاء نهب الممتلكات العامة من قبل المنتفعين الطفيليين.

لحسن الحظ، وعد رئيس وزرائنا بشيء من هذا القبيل عندما أعلن نهاية 40 عاما من النيوليبرالية. لكن السياسات التي أعلنها حتى اليوم كانت ضعيفة. الميزانية  فرصة ليثبت أنه عند كلمته. وإذا لم يكن كذلك، فلن يكون اللغز الرئيسي لماذا الفرنسيون في الشوارع، بل لماذا لسنا نحن في الشوارع. 

المصدر: خبر أونلاين