كتب نداف إيال، الصحفي في صحيفة يديعوت أحرونوت: تلقى بنيامين نتانیاهو الليلة الماضية أحدث مجموعة من استطلاعات الرأي؛ وهي استطلاعات تُظهر أن حزب الليكود وكتلته السياسية يضعفان بسرعة.
وجاء في التقرير: ثم طرحت تصريحاته بشأن الاقتصاد الإسرائيلي؛ وهي تصريحات تُعد من بين الأقل نظيراً خلال مسيرته السياسية الطويلة. بغض النظر عن الهدف الذي كان يسعى نتانیاهو لتحقيقه من وراء هذه الأقوال، فإن كلامه يحمل تداعيات حقيقية ومهمة للاقتصاد الإسرائيلي؛ سواء قبيل انتخابات يوم الثلاثاء أو بعدها، بغض النظر عمن سيشكل الحكومة المقبلة.
قال رئيس الوزراء الإسرائيلي في مقابلة مع الصحفي الإسرائيلي "روي كاتس" بُثّت يوم الجمعة، إن المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل في طريقها إلى الانتهاء. وأضاف: "هذا الأمر انتهى؛ إنه مجرد مسألة وقت".
وتابع نتانیاهو أن الإسرائيليين يجب أن يعتادوا على حقيقة أنهم لن يتلقوا بعد الآن عشرات مليارات الدولارات من المساعدات الدفاعية من الولايات المتحدة، "لأن أمريكا قد تغيرت".
هذا التصريح بحد ذاته جدير بالاهتمام. فهناك إدراك يتبلور تدريجياً في إسرائيل بأن المساعدات العسكرية الأمريكية بشقيها الحالي لا بد أن تتغير بل وربما تصل إلى نهايتها، لا سيما في ظل تراجع الدعم الحزبي المزدوج لإسرائيل في واشنطن.
وكان نتانیاهو نفسه قد تحدث مسبقاً عن رغبته في تقليص اعتماد إسرائيل تدريجياً على هذه المساعدات. غير أن هناك فرقاً شاسعاً بين تقبل هذه الحقيقة وبين إعلان رئيس الوزراء الحالي رسمياً عن انتهاء أحد أركان العلاقات الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية.
مذكرة التفاهم الحالية بين البلدين، والتي بموجبها تخصص الولايات المتحدة 38 مليار دولار كساعدات لإسرائيل على مدى عشر سنوات، سارية المفعول حتى سبتمبر 2028. وهذا الاتفاق متجذر في شبكة من المصالح المتبادلة التي تشكل الصناعة الدفاعية الأمريكية جزءاً منها.
يعمل الدبلوماسيون الإسرائيليون في واشنطن جاهدين للحفاظ على هذا الاتفاق، كما يواصل أصدقاء إسرائيل في الكونغرس الأمريكي النضال من أجل الحفاظ على العلاقات الخاصة بين البلدين، رغم ازدياد صعوبة المناخ السياسي.
وعندما يقول رئيس وزراء إسرائيل بنفسه "هذا الأمر انتهى"، فإن رسالة كهذه تكون ثقيلة ومقلقة للغاية بالنسبة للمؤسسة الدفاعية الإسرائيلية ولأولئك الأفراد في واشنطن الذين ما زالوا يسعون لمساعدة هذا البلد.
لكن هذه كانت البداية فقط. فقد قال نتانیاهو: "قد تُفرض عقوبات، بما في ذلك عقوبات مصرفية". وأوضح أن على إسرائيل إعداد اقتصاد قادر على الالتفاف على هذه العقوبات.
هذه المسألة تقع في مستوى آخر تماماً من الأهمية. ولفهم الموضوع، يجب الانتباه إلى عدة نقاط. ففي عالم العقوبات الدولية، تُعد العقوبات المصرفية الواسعة ضد أي دولة من أقوى الأدوات التي تمتلكها القوى الكبرى.
هذه العقوبات ليست قيوداً على الواردات، ولا عقوبات على المستهلكين، ولا حتى حظراً للتسليح. فالعقوبات المالية الواسعة تستهدف مباشرة الدورة الدموية لاقتصاد أي بلد.
تعتمد البنوك الإسرائيلية على النظام المالي العالمي؛ بما في ذلك البنوك المراسلة، وآليات التسوية، وخطوط الائتمان، وإمكانية تحويل الأموال عبر الحدود. وبدون الوصول إلى البنوك الأجنبية، سيتوقف الاقتصاد الإسرائيلي عن العمل.
هذه العقوبات لا تستهدف البنوك وحدها، بل تؤثر على كل من يتعامل معها؛ بدءاً من الشركات والمصدرين والمستوردين وصولاً إلى المستثمرين وأصحاب العمل.
وعندما تشعر البنوك الأجنبية بالقلق تجاه المؤسسات المالية لدولة ما، فإنها عادة ما تقرن أو تقطع علاقاتها بشكل يتجاوز بكثير ما يفرضه القانون.
بعبارة أخرى، فإن فرض نظام شامل للعقوبات المالية سيدفع إسرائيل نحو وضع تشبه إيران وروسيا.
بالتأكيد، قد تكون ظروف إسرائيل أسوأ حتى. فإيران وروسيا تتمتعان باحتياطيات هائلة من النفط والغاز، وتستمران في بيع موارد الطاقة حتى تحت وطأة العقوبات، وخاصة في آسيا وأجزاء من دول الجنوب العالمي.
لكن الاقتصاد الإسرائيلي لا يقوم على أساس تصصدير المواد الخام والسلع الأساسية. فقوة هذا الاقتصاد تنبع من اندماجه في الاقتصاد العالمي؛ ومن رأس المال البشري والتكنولوجيا والأبحاث والخدمات المتقدمة.
وفقاً لإعلانات هيئة الابتكار الإسرائيلي، صدر قطاع التكنولوجيا المتقدمة في البلاد عام 2025 سلعاً وخدمات بقيمة نحو 85 مليار دولار؛ وهو رقم يمثل 58 بالمئة من إجمالي الصددرات الإسرائيلية.
كما استأثر هذا القطاع بنحو نصف النمو الاقتصادي للبلاد. فالتكنولوجيا المتقدمة هي المحرك الأساسي للاقتصاد الإسرائيلي، ويعتمد أداؤها على الأسواق الخارجية ورأس المال الأجنبي وتدفق الأموال الحر.
لم يحدد نتانیاهو الدولة التي قد تفرض عقوبات مصرفية ضد إسرائيل. وعندما يطرح رئيس وزراء دولة احتمالاً كهذا ويتحدث في الوقت ذاته عن نهاية المساعدات الأمريكية، يجب طرح تساؤلات جادة فوراً.
هل يقصد عقوبات أوروبية؟ عقوبات أمريكية؟ والأهم من ذلك، كيف وصلت إسرائيل إلى نقطة يُطرح فيها أساساً احتمال كهذا في دوائرها السياسية؟
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ كانت أجزاء أخرى من حديثه أكثر إثارة للقلق. فقد قال نتانیاهو: "يجب تنظيم اقتصاد التفافي". وفي معرض توضيحه لهذه الفكرة، أشار إلى العملات الرقمية.
وعندما سُئل عما إذا كان بإمكان تكنولوجيا سلسلة الكتل (البلوكشين) أن تشكل بديلاً للنظام المالي التقليدي، أجاب بالإيجاب وقال: "إنه أحد الخيارات. بالتأكيد. لقد أمرت مسبقاً بإعداد خطة لهذا الغرض".
الاقتصاد المصمم للالتفاف على العقوبات هو استراتيجية بقاء للدول المستبعدة من أجزاء كبيرة من النظام الدولي؛ دول مثل كوبا. كما أن إيران أنشأت هيكلاً مماثلاً يعتمد على شركات واهية وقنوات دفع بديلة وشبكات لنقل الأموال والسلع خارج الآليات الرسمية والشفافة. وقد اتبعت روسيا مساراً مشابهاً.
كانت تكلفة هذا النهج باهظة وتمثلت في: الازدياد فقراً والعزلة طويلة الأمد.
كما أن الجزء المتعلق بالعملات المشفرة يحتاج بشكل خاص إلى مراجعة دقيقة. فالعملات الرقمية يمكنها حقاً توفير إمكانية نقل القيم خارج بعض القنوات المصرفية التقليدية.
لكنها ليست بديلاً لنظام مالي وطني. فالعملات المشفرة لا يمكنها تأمين خطوط الائتمان للبنوك، أو حل محل أسواق المال الدولية، أو إقناع الشركات الأجنبية بانتهاك العقوبات التي تحظر النشاط الاقتصادي مع إسرائيل.
كما أن المعاملات بالعملات المشفرة تخضع بحد ذاتها للرقابة والقيود وتنفيذ اللوائح العقابية.
وقد سارع قطاع العملات المشفرة في إسرائيل إلى الرد على هذه التصريحات، مؤكداً أن سلاسل الكتل العامة شفافة وقابلة للتعقب ولا يمكن اعتبارها ملجأ لإخفاء الأموال. ولا يرغب الناشطون في هذا القطاع في ربط أسمائهم برؤية نتانیاهو للالتفاف على العقوبات.
لم يكتفِ نتانیاهو بالإشارة إلى احتمال فرض العقوبات، بل تحدث عن إعداد اقتصاد التفافي للعقوبات وأعلن أنه أصدر توجيهات مسبقة لإعداد خطة في هذا المجال.
وقد طرح هذه الأقوال بنبرة هادئة ورداً على أسئلة مباشرة، مقدماً الموضوع كسيناريو محتمل يتطلب الإعداد والدراسة الاستشارية.
مثل هذه التصريحات، حتى قبل فرض أي عقوبات أو الإدلاء بأي أصوات في صناديق الاقتراع، يمكن أن تقلق وتهز الأسواق والمستثمرين والمؤسسات المالية.
قبل نحو عام، قال نتانیاهو إن إسرائيل يجب أن تتحول إلى "إسبرطة فائقة"، أي تبني خصائص اقتصادية أكثر اكتفاءً ذاتياً وقريبة من الاقتصاد المغلق. في ذلك الوقت، كان يمكن تفسير هذه الأقوال كدعوة لمزيد من الاستقلال في إنتاج المعدات الدفاعية.
لكن نتانیاهو يتحدث الآن صراحة عن العقوبات المصرفية وخلق اقتصاد للالتفاف على العقوبات.
وهنا يبرز احتمالان. الأول هو أن نتانیاهو يؤمن حقاً بما يقوله ويعتبر هذا السيناريو جدياً. في هذه الحالة، هو يحذر الإسرائيليين من أن اقتصاد البلاد يواجه تهديداً لم يسبق له مثيل بهذا الحجم؛ لأنه بدون قطاع التكنولوجيا المتقدمة واقتصاد يعمل بصورة صحيحة، لا يمكن للمجتمع أن يؤدي وظائفه الطبيعية ولا يمكن لجيش حديث مواصلة نشاطه.
وإذا كان الأمر كذلك، فمن حق الرأي العام أن يعرف على أي أساس تم هذا التقييم ومن أين جاءت الأفكار المتعلقة "باقتصاد الالتفاف على العقوبات" واستخدام العملات المشفرة.
الاحتمال الثاني هو أن نتانیاهو تحدث دون إعداد ودراسة كافية عن موضوع لم يفحص أبعاده بالكامل بعد. ومثل هذا الاحتمال يطرح أسئلة جادة حول حكمته وقدرته على مواصلة منصبه كرئيس للوزراء.
كانت ردود الفعل بين الفاعلين الاقتصاديين ومجتمع التكنولوجيا المتقدمة في إسرائيل حادة للغاية. فالمستثمرون وأصحاب الأعمال ومؤسسو الشركات وغيرهم من الفاعلين في هذا المجال يرون في تصريحات نتانیاهو مؤشراً على تراجع عميق في السيطرة وضعف في تقدير الأمور.
فهل ستؤثر هذه التصريحات على الانتخابات؟ يبدو أنه بعد انتهاء عطلة السبت في إسرائيل، سيحاول نتانیاهو توضيح أقواله وشرح قصده، ثم من المرجح أن يسعى لتحويل انتباه الرأي العام نحو موضوع آخر.
المصدر: انتخاب



