كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية أن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا أعدّت مبادرة شاملة لتقديمها إلى إيران والولايات المتحدة تُنفَّذ على مرحلتين. يبدأ هذا الطرح بتسوية متفق عليها لمسألة مضيق هرمز ورفع الحصار، ثم ينتقل إلى مرحلة المفاوضات حول اتفاق نووي شامل وتسوية مسائل العقوبات والأصول المجمّدة. وسيكون أساس هذه المفاوضات ومرجعها آليات ومبادئ الاتفاق النووي لعام 2015.

وجاء في تتمة هذا التقرير: أوضحت مصادر دبلوماسية أوروبية في حديث مع «إرم نيوز» أن باريس وبرلين ولندن تعدّ هذه المبادرة لتتولى في المرحلة الأولى دور الضامن. وتركّز هذه المرحلة على التوصل إلى اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز ورفع جزء من الحصار عن إيران.

والهدف من هذه الخطوة هو تجاوز حالة انعدام الثقة المتبادل وبحث إمكانية التوصل إلى «تنازلات متبادلة» في قالب صفقة مؤقتة وانتقالية.

وبعد اكتمال هذا الاتفاق، تدخل المبادرة مرحلتها الثانية؛ وهي مرحلة تشمل مفاوضات حول خفض مستوى تخصيب اليورانيوم وفق جدول زمني محدد وفرض رقابة دولية على المنشآت النووية الإيرانية. وستحدد الوكالة الدولية للطاقة الذرية المنشآت التي يجب أن تخضع للرقابة.

التنازلات المتبادلة في المرحلة الثانية

ووفقاً للإطار الأولي لهذه المبادرة، ففي مقابل خطوات إيران، سيتم رفع جزء من العقوبات وتفكيك الحصار بالكامل. وستتم هذه الإجراءات في إطار آلية تُصاغ على أساس الاتفاق النووي لعام 2015؛ وهو الاتفاق الذي انسحب منه دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، خلال ولايته الرئاسية الأولى.

وتأتي هذه التطورات فيما أعلن يوهان فاديفول، وزير خارجية ألمانيا، مؤخراً أن ألمانيا وفرنسا وبريطانيا مستعدة للتفاوض مع إيران لمنع حصول هذا البلد على سلاح نووي؛ وذلك في ظروف تتزايد فيها مؤشرات تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن في الأيام المقبلة.

وقال مصدر دبلوماسي فرنسي إن الترويكا الأوروبية، في إطار مسعاها لإحياء دورها في المفاوضات، تبحث عن حلول واقعية للقضايا العالقة التي أحدثت توترات اقتصادية وعسكرية على الصعيد الدولي.

وبحسب هذا المصدر، فإن أوروبا شريك رئيسي في حل أزمة الملف النووي وتعتزم تقديم طرح يشمل فرض قيود على تخصيب اليورانيوم وإنشاء آليات للتحقق في المنشآت النووية الإيرانية؛ وفي المقابل، تُخفَّض العقوبات وتتم تسوية مسألة أصول إيران المجمّدة.

وقال هذا الدبلوماسي الفرنسي كذلك لـ«إرم نيوز» إن باريس وبرلين ولندن تعتقدان أن العجز عن التوصل إلى حل للتوترات الجارية منذ فبراير الماضي حتى الآن ناجم عن تعدد القضايا والخلافات بين واشنطن وطهران.

وبحسبه، فإن هذا الوضع يستلزم إخراج قضيتي مضيق هرمز والحصار من دائرة النزاع ودخول الطرفين بأسرع وقت ممكن في آلية تفاوضية حول القضية الرئيسية، أي الملف النووي؛ آلية توفّر عملية ديناميكية لمعالجة جميع الخلافات القائمة في المفاوضات.

من جهة أخرى، أوضح مستشار سابق في لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان الألماني أن ترامب لن يقبل أي مبادرة أوروبية للتدخل في مسار التوصل إلى اتفاق مع طهران؛ لأن مثل هذه الخطوة تعني أنه، بقبوله دور أوروبا، يعترف عملياً بأنه أخطأ في الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، وأفرط في هذا المسار وعجز عن إدارة ملف إيران. كما يتعزز هذا الانطباع بأن بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، دفعه إلى مسار أضرّ بمصالح الولايات المتحدة.

وقال هذا المصدر الاستشاري السابق في البرلمان الألماني لـ«إرم نيوز» إن ترامب لا يريد وساطة قوية من الطرف الأوروبي؛ لأنه يعتبر مثل هذه الوساطة علامة على ضعف سياسته الخارجية؛ ضعف يمكن أن يؤثر أيضاً في ملف حرب أوكرانيا ويؤدي إلى ربط ملفي إيران وأوكرانيا ببعضهما؛ وهو أمر قد يضرّ بتفاهماته مع فلاديمير بوتين، رئيس روسيا.

وكان الاتفاق النووي لعام 2015، المعروف باسم «خطة العمل الشاملة المشتركة»، يشمل تحديد مستوى تخصيب اليورانيوم بحد أقصى 3.67% لمدة 15 عاماً وخفض عدد أجهزة الطرد المركزي في نطنز إلى نحو خمسة آلاف جهاز من الجيل الأول لمدة 10 أعوام.

وفي المقابل، بعد تنفيذ الالتزامات ذات الصلة، كان سيتم رفع أو تعليق مجموعة من العقوبات النووية على إيران لتتاح لطهران إمكانية إجراء جزء من التبادلات التجارية والمالية والنفطية الدولية.

ويرى محمد أبو العينين، الباحث في القضايا الاستراتيجية، أنه في حال تنفيذ هذه المبادرة الأوروبية، يمكن تقييم مدى نجاحها بالنظر إلى طبيعة العلاقات الدبلوماسية للدول الأوروبية الثلاث مع واشنطن وطهران وقدرتها على التأثير في القرار الأمريكي؛ خاصة في ظروف تحدثت فيها واشنطن عن احتمال الاتجاه نحو تصعيد التوترات، سواء قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس أو بعدها.

وقال أبو العينين لـ«إرم نيوز» إنه إذا بقيت مساعي أوروبا محصورة في مستوى الدبلوماسية التقليدية، فستبقى الأزمة على حالها الراهن. أما إذا تحوّل هذا المسعى إلى تشكيل ائتلاف مستعد للعب دور حقيقي في المفاوضات، فيمكن أن يؤثر إيجاباً في مسار التطورات وأن يكون خطوة إلى الأمام لوقف تصعيد التوترات.

وأضاف أنه في حال القيام بمثل هذه الخطوة، ستسعى أوروبا من جهة إلى توفير إمكانية التفاوض مع إيران حول منع حصول هذا البلد على سلاح نووي، وتأمين أمن طرق الملاحة ومنع تصعيد التوتر، ومن جهة أخرى لا تريد أن تبقى أدوات تصعيد التوتر حصراً بيد الولايات المتحدة؛ وذلك في ظروف تتضرر فيها أيضاً دول أخرى، بما فيها الدول الأوروبية، من العواقب السلبية لهذه المواجهة، وأهمها ارتفاع أسعار الطاقة.

وأشار هذا الباحث أيضاً إلى أنه إذا نجح الأوروبيون، عند دخولهم هذا المسار، في إنشاء آليات عملية وحقيقية، فقد يحدّوا إلى حد ما من تصعيد التوترات التي يمكن أن تقع في أي لحظة. ومن مؤشرات هذا التصعيد سفر بيت هيغسيث، وزير الحرب الأمريكي، إلى إسرائيل وزيادة حشد ونشر القوات العسكرية في المناطق المحيطة بإيران.

وقال أبو العينين في الختام إن تحويل الجهود الدبلوماسية الأوروبية إلى مبادرات عملية يمكن أن يخلق حاجزاً أمام تصعيد التوترات؛ لكن تحقيق هذا الهدف يعتمد على مدى مرافقة واشنطن وطهران لهذه المساعي ومدى استعداد الطرفين لقبول المقترحات الدبلوماسية القادرة على منع استئناف المواجهة وحل الخلافات المثيرة للجدل عبر التفاوض.

المصدر: دنيا اقتصاد