وكالة مهر للأنباء – قسم الفنون – علي حيدري؛ كان المسرح بالنسبة إلى فنانيه في إيران دائما كلمة كبيرة؛ من منظور اجتماعي، يتمتع فنانو المسرح بروح وخصائص مختلفة عن سائر الفنانين، ولهذا يخاطب بعضهم بـ«المسرحيين». ربما، من الناحية التحليلية، لم تجر دراسة لغوية حول كلمة «مسرحي»، لكن إذا دققنا في حياة الفنانين الذين يندرجون في هذه الفئة، نجد مكونات أهمها العيش في عالم المسرح. وكأن بعض أهل هذا الفن يصابون بالجنون من نقطة ما، ولا شيء سوى الخشبة والضوء يهدئ هذا الجنون.
اليوم هو 25 أكتوبر، ويعد في تقويم أهل المسرح يوما مهما. اليوم ولد شخص كان مجنونا حقا ومولعا بالكلمات والخشبات. لقد عاش المسرح بالمعنى المطلق للكلمة، وحتى الأيام الأخيرة من حياته بقي مولعا بالمسرح ومعتمدا عليه. 25 أكتوبر هو عيد ميلاد محمود أستادمحمد، الكاتب المسرحي والمخرج والممثل؛ شخص عاش في حياته بين الخشبات والقصص، وأظلم رحيله خشبة من حياة كثير من محبيه.
تصفح سجل؛ مستشفى جم أصبح الخشبة الأخيرة لخالق «الليلة الحادية والعشرين»
كتب أستادمحمد وأخرج أعمالا عديدة خلال حياته التي دامت 62 عاما. من الأعمال البارزة لهذا الفنان الراحل يمكن ذكر «الليلة الحادية والعشرين» و«ديوان تئاتْرال» و«صورة عائلية» و«اللعبة الأخيرة» و«آ سيد كاظم» و«سرمه» وغيرها. عرضت كل هذه الأعمال، خلال حياته وبعدها، مرات عديدة على يد أشخاص مختلفين، وهو، دون أي توقع، منح المهتمين ترخيص عرض أعماله. حتى أنه جلس خلال حياته لمشاهدة تلك الأعمال وكان مسرورا ومتحمسا بهذه المشاهدة. واصلت هذه العادة بعده ابنة هذا الفنان، مانا أستادمحمد، وهي، مثل والدها، تمنح المتقدمين ترخيص عرض أعمال أستادمحمد دون أي توقع.
كان أستادمحمد، رغم حياته المتعددة الطبقات، مثل طفل يفرح برؤية الجمال، والاقتباسات الموجودة من أشخاص التقوه تؤكد هذا الأمر. وراء كل خصائص أستادمحمد التي جعلته شخصية خالدة في تاريخ المسرح الإيراني، فإن طريقة تربيته لتلاميذه الذين ما زالوا موجودين في مسرحنا ونشطين موضوع جدير بالاهتمام. يواصل حياته بتربية تلاميذ عديدين تبرز فيهم جميعا بقوة الوفاء للمسرح.
قلم كان صوت أهل المدينة السفلى
تتمتع أعمال أستادمحمد بخصائص ومكونات لغوية؛ فهو في مسرحياته يتحدث باستمرار عن أناس ليس لهم صوت في المجتمع، أولئك الذين يصبحون يوما بعد يوم أضعف وأوهن تحت ضغط الفقر. أستادمحمد ممثل أهل المدينة السفلى؛ يعبر عن ألم ومعاناة هذه الشريحة بلغة صريحة وواضحة، ولهذا السبب يمكن اعتبار أستادمحمد من أهم كتاب المسرح، القادرين جدا على خلق الأعمال الاجتماعية. في أغلب أعماله انعكست مشكلة اجتماعية، بعض هذه المشكلات من عمق تجاربه المعيشية وبعضها الآخر من مشاهداته الدقيقة للطبقات الخفية في المجتمع. كان أستادمحمد، بالمعنى الحقيقي للكلمة، «مهتما»، ولم تكن همومه أبدا ذات طابع شخصي؛ فقد كان باستمرار، في أعماله، صوت جزء من المجتمع. يندرج عدد من أعمال أستادمحمد في فئة مسرحيات المقاهي، وهي ذات أهمية كبيرة في إنتاج الكلمات وخلق قيمة مضافة في لغة كتابة المسرح لدينا.
مؤلف كان يعاني
في الأفلام والوثائقيات الباقية من أستادمحمد، تتجلى بوضوح معاناته وجنونه بالمسرح. إنه منغمس في عالم الخشبات، وكأن بذكر اسم أستادمحمد، يكون المسرح هو ما يتجلى. حتى عندما كان السرطان قد استحوذ على جسد أستادمحمد، ظهر على الخشبة في هامش مراسم، بمساعدة بضعة أشخاص، وتحدث خلف المنبر عن همومه بشأن المسرح.
قال في جزء من هذه الكلمة القصيرة: «بعض الناس لا يفهمون كم المسرح مهم بالنسبة إلينا وكم بذلنا جهدا من أجله.» وفي فيلم وثائقي آخر، يتحدث عن عملية كتابة «الليلة الحادية والعشرين» ويقول إنه يخاف من قراءة مسرحيته ويتعجب كيف كتب مثل هذا العمل المرير. قبل وفاته في يوليو 2013 بأيام قليلة فقط، جاء إلى مسرح المدينة ليلتقي مرة أخرى بهذه الكعبة التي يطمح إليها المسرحيون. ربما كان يعرف بنفسه أن هذا كان اللقاء الأخير، وأن القدر لن يمنحه مهلة ليرى المسرح أو يصنع المسرح في مسرح المدينة مرة أخرى.
المسرح الذي عاد إلى البيت مرة أخرى بعد وفاته؛ لم يعد في مسرح المدينة أستادمحمد!
في 25 يوليو 2013، أغمض أستادمحمد عينيه عن العالم في مستشفى جم بسبب سرطان الكبد، ومنذ ذلك اليوم لم يعد لمسرحنا «قلندر»، وبقي فراغ مع تحليق روحه قد يعذب محبيه إلى الأبد. إذا مررت بالطابق الثالث من مجمع مسرح المدينة، سترى ملصق «ديوان تئاتْرال»، الذي كتبه وأخرجه أستادمحمد، مثبتا على الجدار، وكأن أستادمحمد ما زال حاضرا في بيته، مسرح المدينة، ويمكن رؤية أثره العميق في كل ركن من هذا المكان.
ربما لا يكون من غير المناسب أن نختم هذا المقال بجملة من مقابلة أخرى لأستادمحمد. قال في مقابلة: «ليت المسرح كان أرضا جيدة للعيش. ليت من يدخلون هذا الوادي كان دخولهم مصحوبا بالسعادة، وهو ليس كذلك.»
أخيرا، بعد وفاة أستادمحمد، جاء جسده مرة أخرى إلى مسرح المدينة، لكن هذه المرة لم تكن فيه روح، ومن هناك شيع نحو بيته الأبدي، قسم الفنانين في مقبرة بهشت زهرا.
فيلم جزء من حديث هذا الفنان الراحل عن المسرح مرفق بالتقرير.
المصدر: وكالة مهر للأنباء


