المجموعة الإلكترونية صحيفة دنياي اقتصاد ـ كامران كرمي: كان من المقرر أن تستضيف الرياض، في 24 أكتوبر، القمة المشتركة الثانية لقادة الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي؛ قمة كان بإمكانها أن ترسم، بما يتجاوز كونها لقاءً دبلوماسياً، صورة لمكانة السعودية الجديدة في المعادلات الاقتصادية والسياسية العالمية. لكن هذا اللقاء تأجل قبل أن يصل إلى طاولة المفاوضات.
أعلنت أمانة مجلس التعاون الخليجي أن التهديدات اليمنية المستمرة ضد السعودية واستمرار تعليق الرحلات في مطار الملك خالد الدولي من أسباب هذا القرار.
وقبل ذلك بأيام أيضاً، أُجّلت مبادرة الاستثمار المستقبلي، المعروفة بـ«دافوس الصحراء»، إلى عام 2027، ونقل مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي أيضاً انعقاد دورته المقبلة إلى العام المقبل.
تجمّع هذه الأحداث معاً يطرح سؤالاً يتجاوز مصير بضعة أحداث: هل تستطيع السعودية أن تستمر، في ظروف اقترب فيها انعدام الأمن الإقليمي من قلب أراضيها، في تقديم نفسها وجهة آمنة لرأس المال والتجارة والدبلوماسية العالمية؟
لا ينبغي قياس أهمية هذه التأجيلات بتقويم الأحداث فحسب؛ ففي منطق رؤية 2030، تسعى السعودية إلى الابتعاد عن اقتصاد يعتمد على النفط وأن تصبح مركزاً للاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والترفيه والخدمات المالية.
تحقيق مثل هذا الهدف لا يعتمد فقط على رأس المال والمشاريع الكبرى؛ بل يحتاج قبل كل شيء إلى قابلية التنبؤ. يجب أن يستطيع المستثمر الأجنبي حساب المخاطر، ويجب أن يطمئن المديرون والشركات الدولية إلى إمكانية السفر والنشاط، ويجب أن يعلم منظمو الأحداث العالمية أن التوترات الأمنية لن تقلب برامجهم من أساسها.
عندما تُؤجَّل مؤتمرات الاستثمار، فالمسألة ليست فقط ضياع بضعة أيام أو بضعة عقود محتملة؛ فمصداقية البيئة الاقتصادية أيضاً تُعرَّض للاختبار. بيئة تُقاس اليوم بالجغرافيا.
يمكن لانعدام الأمن في البحر الأحمر أن يعطّل الطرق التجارية والاتصالات، ويمكن للتهديد في مضيق هرمز أن يؤثر في نقل الطاقة وحسابات سوق النفط.
بالنسبة للسعودية، هذان الطريقان ليسا مجرد ممرين للتجارة؛ بل يُعدّان جزءاً من البنية التحتية الجيوسياسية لتنميتها الاقتصادية.
كلما ارتفعت كلفة التأمين والنقل وحماية الطرق البحرية، تعرّض جزء من الميزة الاقتصادية للمنطقة للضغط، وهكذا تتجاوز المخاطر الأمنية الميدان العسكري وتتحول إلى كلفة على برامج التنمية.
ومن هذه الزاوية نفسها، تتضح أكثر أهمية القمة مع الاتحاد الأوروبي. فأوروبا بالنسبة لدول مجلس التعاون ليست شريكاً تجارياً فقط؛ بل هي أيضاً مصدر لرأس المال والتكنولوجيا والتعاون الصناعي والقدرة الدبلوماسية.
وفقاً لبيانات مجلس الاتحاد الأوروبي، بلغت قيمة التجارة السلعية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون في عام 2025 ما قيمته 165.6 مليار يورو.
المسألة في النهاية ليست الاختيار بين أمريكا وأوروبا؛ المسألة هي قدرة السعودية على الحفاظ على توازن ناعم بين الشركاء وتحويل تنوع العلاقات الخارجية إلى أداة لخفض التوتر. ويتطلب هذا التوازن الحفاظ على الرابط الأمني مع واشنطن، وتوسيع التعاون الاقتصادي والدبلوماسي مع أوروبا، وفي الوقت نفسه البحث عن مسارات سياسية لاحتواء الأزمات الإقليمية، لا سيما في اليمن.
أظهرت تجربة السنوات الماضية أن أزمة اليمن ليس لها حل عسكري بسيط، وأن استمرار منطق المواجهة يمكن أن يعيد إنتاج الكلف الأمنية والاقتصادية. فالسياسة التي تتبع الأمن فقط عبر الضغط العسكري والاصطفاف مع قوة أجنبية قد تكون لها مزايا في المدى القصير، لكنها وحدها لا توفر الأسس اللازمة للاستقرار الطويل الأمد.
لذلك أظهر تأجيل قمة الرياض أنه لا يمكن فصل رؤية 2030 عن البيئة الجيوسياسية المحيطة بها. فالسعودية، لكي تصبح قطباً لرأس المال والتجارة، لا تحتاج فقط إلى أبراج شاهقة ومشاريع ضخمة وأحداث دولية؛ بل تحتاج إلى منطقة يمكن إدارة مخاطرها.
التنمية الاقتصادية من دون دبلوماسية متوازنة وخفض للتوتر ستكون دائماً عرضة لمأزق قد يظهر هذه المرة لا في تقويم قمة، بل في حسابات المستثمرين على المدى الطويل.
المصدر: دنياي اقتصاد


