نادي الصحفيين الشباب؛ مهدي سيف تبريزيلا يمكن اعتبار دخول أوروبا مجددا في المعادلات الدبلوماسية المتعلقة بإيران وأمريكا مجرد محاولة لإنهاء التوترات الإقليمية. في ظروف وصلت فيها مفاوضات طهران وواشنطن إلى طريق مسدود، وألقت تطورات مضيق هرمز بظلالها على سوق الطاقة العالمية، ولم يبق سوى أيام قليلة حتى الانتخابات النصفية الأمريكية، يمكن أن يكون تفعيل القنوات الدبلوماسية جزءا من جهود الغرب لاحتواء أزمة لم تعد تكاليفها محصورة في الميدان العسكري. المسألة بالنسبة إلى واشنطن ليست فقط كيفية مواجهة إيران؛ بل يجب على البيت الأبيض أن يدير في الوقت نفسه التبعات الاقتصادية للمواجهة وقلق الحلفاء والآثار السياسية لارتفاع أسعار الطاقة. في مثل هذه الظروف، يمكن لأوروبا أن تعود إلى الساحة مرة أخرى؛ ليس بالضرورة لحل الخلافات من جذورها، بل للسيطرة على نطاق الأزمة وتوفير فرصة جديدة لإعادة ضبط حسابات أمريكا.
الدبلوماسية في ظل هرمز؛ لماذا أصبحت أوروبا نشطة مجددا؟
أظهرت التطورات الأخيرة في مضيق هرمز أن معادلة أمن الخليج لا يمكن إدارتها فقط عبر وجود السفن الحربية والتهديد العسكري والضغط السياسي من الخارج. إن الأهمية الاستراتيجية لهذا الممر المائي وارتباطه المباشر بسوق الطاقة العالمية يجعلان أي تصعيد للتوتر قضية تتجاوز حدود المنطقة. عندما يصاحب وضع الملاحة في هرمز ارتفاع أسعار النفط والقلق من اضطراب إمدادات الطاقة، يتجاوز نطاق تبعات الأزمة الحسابات العسكرية ويصل إلى اقتصاد القوى الكبرى وتجارتها وسياستها الداخلية.
تتمتع إيران في هذه المعادلة بموقعها الجغرافي وقدراتها الاستراتيجية؛ وهي قدرات تمكن طهران من رفع تكاليف الضغط والتهديد فوق المستوى الذي صممته واشنطن لها. ولهذا السبب، كلما اقترن سعي أمريكا لفرض الضغط على إيران بمزيد من عدم الاستقرار في البيئة المحيطة بالخليج، زادت ضرورة مراجعة حسابات البيت الأبيض. وهذه هي النقطة نفسها التي تكتسب فيها الدبلوماسية أهمية مجددا: ليس لأن الخلافات قد حلت، بل لأن الاستمرار في المسار السابق يمكن أن يخلق تكاليف يصعب إدارتها أكثر من بداية الأزمة.
يجب دراسة اجتماع إسطنبول ومشاورات تركيا ودول المنطقة والقوى الأوروبية في هذا الإطار نفسه. إن التأكيد على ضرورة منع انتشار الحرب والعودة إلى المسار السياسي يظهر القلق من تبعات استمرار الأزمة؛ لكن السؤال الرئيسي هو ما الهدف العملي لهذه التحركات. هل تسعى أوروبا إلى تشكيل اتفاق يعترف بالمخاوف الأمنية لإيران وحقوقها، أم تريد، عبر تفعيل قنوات التفاوض، تخفيف حدة الضغوط الناجمة عن الأزمة مع الحفاظ في الوقت نفسه على إمكانية التأثير في قرارات طهران؟
تظهر تجربة العلاقات بين إيران وأوروبا أنه لا يجب رسم حد قاطع ودائم بين الدبلوماسية والضغط. يمكن أن تكون المفاوضات أرضية لحل الخلافات، لكنها يمكن أن تتحول أيضا إلى أداة لإدارة الوقت وخلق انقسام في الطرف المقابل وتقييد خياراته الاستراتيجية. من هذا المنظور، ليست عودة أوروبا إلى الساحة، بحد ذاتها، مؤشرا على تغيير في نهج الغرب ولا ضمانة لخفض الضغوط؛ بل ما يهم هو مضمون المقترحات ومدى استعداد الأطراف المقابلة لقبول الواقع السياسي والأمني للمنطقة.
ترامب بين هرمز والانتخابات؛ كلفة استمرار المواجهة
من العوامل المهمة الأخرى التي تعطي معنى للتحركات الدبلوماسية الحالية اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية في 3 نوفمبر. بالنسبة إلى إدارة ترامب، فإن ارتفاع أسعار الطاقة عشية الانتخابات ليس مجرد قضية اقتصادية؛ بل يمكن أن يصبح أحد محاور النزاع السياسي الداخلي. إن ارتفاع تكلفة الوقود والنقل يفرض ضغطا مباشرا على الأسر والشركات الأمريكية ويمكن معارضي الحكومة من ربط السياسة الخارجية للبيت الأبيض بتكاليف المواطنين اليومية.
في مثل هذه الظروف، يمكن أن يخلق الدخول في مواجهة عسكرية جديدة مع إيران خطرا سياسيا كبيرا على الحكومة الأمريكية. أي إجراء عسكري قد يصاحبه رد مقابل وتصاعد عدم اليقين في سوق الطاقة وتوسع نطاق الأزمة. في المقابل، يمكن أن يتعارض التراجع الواضح عن التهديدات أيضا مع ادعاءات ترامب حول قوة أمريكا وقدرة حكومته على إجبار المنافسين على التراجع. ونتيجة لذلك، يواجه البيت الأبيض معادلة صعبة: يمكن أن يؤدي استمرار الضغط إلى رفع التكاليف الاقتصادية والأمنية، كما يتطلب تغيير المسار مراجعة نهج قائم على التهديد وفرض الضغط.
في هذه الأثناء، يمكن أن يوفر تفعيل أوروبا فرصة دبلوماسية لواشنطن. إذا تمكنت الدول الأوروبية والوسطاء الإقليميون من إبقاء قنوات التواصل حية، فقد تحصل إدارة ترامب على مزيد من الفرص لإدارة الأزمة وتقييم خياراتها. يمكن أن يسمح هذا المسار أيضا للبيت الأبيض، دون إعلان تراجع مباشر، بنقل الضغوط إلى ساحة المفاوضات وتفويض جزء من مسؤولية دفع العملية السياسية إلى الحلفاء والشركاء الإقليميين.
بطبيعة الحال، لا يعني هذا السيناريو أن جميع مبادرات أوروبا صممت بالضرورة بهدف إنقاذ ترامب من التكاليف الانتخابية. إن مصالح الدول الأوروبية نفسها، والقلق من انتشار الحرب، وضعفها أمام صدمات الطاقة تلعب أيضا دورا في تفعيل هذا المسار. ومع ذلك، يمكن أن تتداخل النتيجة العملية لمثل هذه التحركات مع الاحتياجات السياسية لواشنطن؛ خاصة إذا كان الهدف الرئيسي هو خفض الضغط الفوري للأزمة دون حل الخلافات الجوهرية بين إيران وأمريكا.
من هذا المنظور، أصبح هرمز نقطة التقاء ثلاثة مجالات: المعادلات الأمنية الإقليمية وسوق الطاقة العالمية والسياسة الداخلية الأمريكية. أي تغيير في أحد هذه المجالات يمكن أن يؤثر في المجالين الآخرين. وهذا الارتباط نفسه هو الذي رفع كلفة اتخاذ القرار بالنسبة إلى واشنطن وأبرز دور الدبلوماسية في إدارة الأزمة.
مأزق المفاوضات؛ طهران غير مستعدة للعودة إلى نقطة الصفر
رغم التحركات الجديدة، ما تزال المسألة الرئيسية قائمة: مفاوضات إيران وأمريكا في مأزق، ومجرد عقد الاجتماعات أو تفعيل الوسطاء لا يمكن أن يزيل هذا المأزق. أكدت طهران أن أي مفاوضات يجب أن تجرى في إطار الشروط السبعة المعلنة لإيران. وقد نقل هذا الموقف إلى الجانب الباكستاني أيضا خلال زيارة عاصم منير، قائد جيش باكستان، الأخيرة إلى طهران. إن رسالة إيران، من هذا المنظور، واضحة؛ فالعودة إلى الدبلوماسية لا يمكن أن تعني تجاهل مطالب طهران أو تكرار مسار تصاحب فيه المفاوضات بالضغط والتهديد.
بالنسبة إلى إيران، هناك فرق جوهري بين التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاق متوازن والتفاوض بهدف شراء الوقت للطرف المقابل. إذا كان من المفترض أن توفر الدبلوماسية فقط فرصة لتخفيف الضغوط الفورية على أمريكا، دون أن يحدث تغيير في نهج واشنطن، فلا يمكن توقع أن تتراجع طهران عن مواقفها لمجرد زيادة الاتصالات. كما أظهرت تجربة الأعوام الماضية أن إعلان الاستعداد للتفاوض يكتسب قيمة عملية عندما يقترن بإرادة حقيقية لحل الخلافات وقبول الالتزامات.
في هذه الأثناء، تواجه أوروبا اختبارا مهما. إذا كانت الدول الأوروبية تريد حقا خفض التوتر، فعليها أن توضح ما إذا كانت تعتبر الدبلوماسية مسارا للوصول إلى اتفاق موثوق أم أداة لإعادة الضغوط إلى طاولة التفاوض. إن محاولة تقييد خيارات إيران، دون الاهتمام بمخاوف طهران الأمنية وواقع الميدان، لا تساعد على حل الأزمة فحسب، بل يمكن أن تؤدي أيضا إلى تصاعد عدم الثقة واستمرار المأزق.
من جهة أخرى، يمكن أن يكون تفعيل أوروبا جزءا من جهد الغرب الأوسع لإدارة الأزمة عبر طرق غير مباشرة. في مثل هذا السيناريو، لا تعني معارضة هجوم عسكري جديد بالضرورة التخلي عن سياسة الضغط؛ بل قد يكون الهدف، بدلا من التصعيد الفوري للمواجهة، استخدام أدوات سياسية ودبلوماسية لتقييد نطاق مناورة إيران. لذلك، يجب تقييم المبادرات الجديدة بناء على مضمونها، وليس فقط على النبرة الأهدأ للبيانات أو التأكيد على ضرورة الحوار.
ما يهم في النهاية هو أن إيران يجب ألا تعوض التكاليف الناجمة عن سياسات الضغط الأمريكية بتراجع من جانب واحد. إذا أرادت واشنطن خفض التوتر في هرمز وإعادة الاستقرار إلى سوق الطاقة، فعليها أن تقبل أن هذا الهدف لا يتحقق عبر مسار التهديد وفرض المطالب. أما أوروبا، إذا أرادت أن يكون لها دور فعال في هذه العملية، فعليها أن تبتعد عن أن تصبح قناة لنقل ضغوط أمريكا إلى طهران.
أظهرت التطورات الأخيرة مرة أخرى أن الدبلوماسية ليست بديلا تلقائيا للمواجهة، بل هي ساحة يحدد فيها توازن القوى وإرادة الأطراف. يمكن أن توفر عودة أوروبا إلى الساحة، في أفضل الأحوال، فرصة لخفض التوتر؛ لكن إذا كان هدفها الرئيسي هو شراء الوقت لواشنطن واحتواء أدوات إيران، فلن تفتح وحدها مخرجا من الأزمة. وفي النهاية، يعتمد مستقبل هذه العملية على ما إذا كانت أمريكا مستعدة للابتعاد عن سياسة الضغط من جانب واحد أم ستسعى إلى متابعة الأهداف السابقة نفسها بأدوات دبلوماسية. أما طهران، فبالنظر إلى التجربة الماضية، ستنظر هذه المرة، أكثر من عدد الاجتماعات ورسائل الوسطاء، إلى تغيير حقيقي في سلوك الطرف المقابل وقبول شروطها.