استيراد الغاز من روسيا؛ خطوة طهران الاستراتيجية لكبح الاختلال في الشتاء
وضعت رحلة كبار مسؤولي البلاد إلى موسكو، بالتزامن مع اجتماع منتدى الدول المصدرة للغاز، استيراد الغاز من روسيا في بؤرة الاهتمام، وهو ما يمكن أن يعوض الاختلال.
وضعت رحلة كبار مسؤولي البلاد إلى موسكو، بالتزامن مع اجتماع منتدى الدول المصدرة للغاز، استيراد الغاز من روسيا في بؤرة الاهتمام، وهو ما يمكن أن يعوض الاختلال.
أفاد مراسل مهر أنه بالتزامن مع مغادرة الرئيس والقائم بأعمال وزير النفط إلى موسكو للمشاركة في اجتماع منتدى الدول المصدرة للغاز (GECF)، دخل ملف التعاون الطاقي بين طهران وموسكو، خاصة في قطاع استيراد الغاز وعبوره، مرحلة مصيرية. الآن، أصبح اختلال الغاز في البلاد، مع اقتراب فصل البرد، من الموضوعات الجوهرية والأساسية، ويعتقد خبراء مجال الطاقة بالإجماع أنه يجب اتخاذ التدابير اللازمة في أسرع وقت لعلاج هذا العارض وإزالته. كما أنه مع توقع اشتداد العجز وزيادة الاختلال إلى نحو 100 مليون متر مكعب يوميا مقارنة بالفائض الموجود في فصل البرد، تواجه البلاد تحديات ملموسة في التوريد المستقر للوقود للقطاعات الاقتصادية المهمة والصناعات الاستراتيجية ومحطات توليد الكهرباء. في مثل هذا الوضع، يعتبر اعتماد نهج الإدارة الذكية للطلب إلى جانب تأمين مصادر بديلة من مناشئ أجنبية الاستراتيجية التشغيلية الوحيدة لمنع تعطيل دورة الإنتاج الصناعي والحفاظ على الرفاه العام وهدوء الشبكة المنزلية في أيام البرد الشديد.
التمهيد القانوني والتفاهمات المشتركة بين طهران وموسكو
يظهر استعراض المسار التاريخي لهذه المفاوضات أن الأسس الفنية والقانونية لهذا التفاعل الواسع وضعت سابقا؛ بحيث أعلن محسن باك نجاد، وزير النفط آنذاك، خلال المؤتمر الصحفي للجنة المشتركة التاسعة عشرة للتعاون الاقتصادي بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وروسيا الاتحادية، أن هذا الحدث أقيم ووقعت الوثيقة النهائية مع مجموعة من التفاهمات المشتركة. وأضاف وزير النفط آنذاك، مذكرا بالجهود المبذولة، أن فرق العمل المتخصصة، في اجتماعات مكثفة وطويلة، نجحت في إعداد الوثيقة النهائية الشاملة، ووفرت اللجنة المشتركة مسارا موثوقا حتى يمكن الاستفادة من القدرات الواسعة جدا الموجودة في مجال التعاون الاقتصادي والطاقي وإدخال الالتزامات في دورة العمل.
أشار باك نجاد في ذلك الوقت صراحة إلى أن نقطة القوة والميزة البارزة لهذا الاجتماع كانت الانتقال الجوهري من مذكرات التفاهم الأولية إلى مجال التنفيذ؛ وهو أمر قيم بوصفه إنجازا كبيرا وبارزا في المرحلة الحساسة الحالية والظروف الدولية الخاصة. وردا على سؤال مراسل مهر حول ضرورة شراء الغاز رغم الأرقام القياسية الداخلية، أوضح أنه فيما يتعلق بتصدير الغاز الروسي إلى إيران، كاد ملف الاتفاقات أن ينتهي ولم يبق في الأحكام سوى بند أو بندين فنيين وشكليين، يؤمل أن يؤديا إلى توقيع العقد النهائي. وأشار إلى أنه رغم تسجيل أداء مرغوب في قطاع الاستخراج وتجاوز إنتاج غاز بارس الجنوبي علامة 727 مليون متر مكعب يوميا، فإن شدة الاختلال وأبعاد الطلب الداخلي قد قدرت بحيث يتعين على البلاد أن تتابع بجدية استيراد الغاز من روسيا. كما شدد، مشيرا إلى معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية، على أن هذا الإطار القانوني يوفر أرضية التعاون وأن إيران ترحب بحرارة باستثمار الشركات الروسية وحضورها النشط في تطوير حقول النفط والغاز.
تفاصيل عقد الإطار العام وعملية تثبيت السعر
كانت الأبعاد التشغيلية والهندسية لهذه التبادلات الغازية قد شرحت سابقا أيضا في تصريحات كبار مديري الصناعة؛ بحيث كشف سعيد توكلي، المدير التنفيذي للشركة الوطنية للغاز الإيراني، في فبراير 2026، في حديث مع مراسل مهر، عن تفاصيل هذه المفاوضات وذكر أن المحادثات مع الجانب الروسي حول العقد المعروف باسم «الإطار العام» دخلت مرحلتها النهائية. وشدد المدير التنفيذي للشركة الوطنية للغاز، في توضيحاته، على أن جميع المؤشرات والمحاور المتخصصة، بما فيها الأبعاد الفنية والأنظمة القانونية وتحديد مواقع المحطات وإعداد صحائف الشروط والشروط التعاقدية، أغلقت بالكامل في فريق العمل المشترك، والمتغير الوحيد الباقي هو تحديد السعر النهائي والاتفاق على آلية التسوية المالية.
ذكر توكلي، في شرحه الأحكام وآلية التنفيذ، أن الإعلان الرسمي عن السعر مرهون بالجمع النهائي على أعلى المستويات العليا وتحديد السقف الدقيق لحجم الاستيراد. استنادا إلى النموذج الأولي، تنظم عملية دخول الغاز في شكل مرحلتين من 550 وحدة، أكملت في خطوتها الأولى جميع الوثائق وصحائف الشروط، وعقد تنفيذي قصير الأمد للاختبار والتحقق الفني وتقييم طريقة الدفع على وشك التثبيت. وذكر أن المفاوضات تجرى في إطار متخصص وعبر فريق عمل شركة غازبروم، وأن محور تركيزها يقوم على الاستلام المستقر لتدفق الغاز.
ضرورة ربط الشبكة الشمالية وموازنة العرض والطلب
يعتقد الخبراء الاقتصاديون أن تفعيل وتعزيز استراتيجية استيراد الغاز من الجيران الشماليين، أي روسيا وتركمانستان، استجابة استراتيجية وفورية لهموم فصل البرد. يتطلب خلق توازن بين تزويد محطات الكهرباء بالوقود ودوران عجلات المصانع وتدفئة القطاع المنزلي أن تبدأ عملية الحقن دون تأخير. لا تتيح هذه الآلية استمرار الأنشطة الصناعية دون فرض انقطاعات واسعة فحسب، بل تمنع أيضا هدر الموارد والإضرار بالناتج المحلي الإجمالي في الأشهر الحرجة من العام. تتطلب إدارة أزمة الغاز في عام 2026 نظرة مركبة، حتى يعاد إحياء القوة الدبلوماسية والجغرافية للبلاد إلى جانب صون الشبكة الداخلية.
التوازن بين الإنتاج والرفاه؛ كبح تبعات الضرر بالبنية التحتية
في هذا الإطار، قال فرشاد جامع، الخبير في قضايا الطاقة، موضحا الأهمية الاستراتيجية لبدء استيراد الغاز من الحدود الشمالية لسد فجوات الطاقة: إن الأحداث والأضرار الواقعة على البنية التحتية للتكرير وخطوط الغاز في بارس الجنوبي أوصلت حجم اختلال الغاز في البلاد إلى عتبة مقلقة في فصل البرد. هذه الحقيقة المرة وضعت عملية توريد الوقود لمحطات الكهرباء ودورة الإنتاج الصناعي وشبكة التدفئة المنزلية على أعتاب شتاء 2026 في وضع حساس، ولذلك فإن البدء الفوري في الاستيراد من مناشئ تركمانستان وروسيا ضرورة استراتيجية لا مفر منها يجب تثبيتها على رأس البرامج الجارية للبلاد.
صرح هذا الخبير في مجال الطاقة: بإعادة فتح طريق الاستيراد من تركمانستان وتعميق التفاعلات مع موسكو، يمكن، بالإضافة إلى ملء خزانات التخزين، تهيئة أرضية للمبادلة وإعادة التصدير إلى مقاصد ذات طلب مرتفع مثل الهند؛ وهو أمر سيسجل دورا تاريخيا في رفع الوزن الجيوسياسي للبلاد. وفي إشارته إلى الإنجازات المتعددة الأبعاد لهذا النهج، شدد: في بعد دبلوماسية الطاقة، تعزز علاقات الغاز مع الجيران الشماليين الروابط الاقتصادية المتبادلة بحيث تتضاءل المخاطر السياسية ويتغير موقف البلاد من طالب سلبي إلى شريك استراتيجي ومنظم لتدفق الطاقة ومركز إقليمي.
فرص العقوبات وخلق دخل مستدام عبر مسار المبادلة
في الإحداثيات الدولية الحالية، تمهد الظروف الخاصة لسوق الغاز العالمية الطريق لفوائد عديدة للاقتصاد الوطني. في وقت تسعى فيه روسيا الاتحادية، تحت تأثير عقوبات دولية واسعة، إلى أسواق جديدة، وتواجه تركمانستان أيضا قيودا كثيرة للاتصال بشبكة الاستهلاك الأوروبية، يمكن لإيران، بالاعتماد على موقعها العابر المتميز وخطوط الأنابيب الموجودة، أن تتولى دور نقطة الربط. إن جذب غاز الشمال الشارد وتوجيهه عبر الممر الجنوبي نحو شبه القارة الهندية سيوجه تدفقا موثوقا من السيولة بالعملة الأجنبية إلى الجسم المالي للبلاد، ويعمق الاعتماد المتبادل بين اللاعبين الثلاثة المهمين، إيران وروسيا والهند، ويقلل نقاط الضعف الجيوسياسية الناجمة عن الضغوط الخارجية إلى أدنى مستوى ممكن.
في النهاية، أوجد تلاقي التطورات الدبلوماسية مع حضور رؤساء البلاد في موسكو والعضوية النشطة في منتدى الدول المصدرة للغاز فرصة ذهبية لإغلاق العقود المؤجلة. إن مراجعة استراتيجيات الغاز ودمج أداة الاستيراد مع دبلوماسية إقليمية نشطة لا يضمن فقط عبورا دون قلق عبر ظروف الشتاء القاسية، بل يوفر منصة لإعادة تثبيت البنية التحتية للطاقة الوطنية بوصفها طريقا حيويا على خريطة التجارة الإقليمية.
المصدر: وكالة مهر للأنباء



